Connect

في الميدان

في الميدان

 
 
في الميدان
 
أ.د. إبراهيم أبو محمد
 
13 / 08 / 2013
 
 
المشهد المتحقق الآن في ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة وكل الميادين في مصر مشهد لم يسبق لمصر أن عاشته في تاريخها كله إلا في ثورة يناير
 
 
 
في لحظات محددة تتمرد الشعوب على ذاتها، وتلفظ كل حالات الخور والخوف، وتستدعي كل أنواع الصلابة والشجاعة من تاريخها، ويتحرر وجدانها من كل خوف حتى ولو كان الموت ذاته.
 
ثقافة جديدة نشأت في الميدان وبدأت تحتل مساحتها اللائقة بالشعب المصري في عقول ووجدان أبنائه، وهي ثقافة تخلصت مفرداتها من كل أنواع الخوف من السلطة بما فيها الرصاص الحي،  بل هي تستهين به، وتسقط مهابته، وتراه وسيلة الباطل في بطشه وتسلطه وطغيانه، وتسخر من القاتل السفاح. تأمل تلك المفردات. 
 
هي تكة وبس، رصاصة ومش حتحس.
 
اقتل واحد اقتل مية، مش حنسيبها للحرامية.
 
تتشل الأيادي، اللى بتقتل ولادي. 
 
تلك أبجدية ومفردات الثقافة الجديدة، وهى ثقافة يتجلي فيها بعد الشجاعة والسخرية من القاتل والذي أظهرته الأحداث، وقد كان في تقدير البعض مستكنا وغائبا في وجدان المصريين، بينما كان معدوما  لا وجود له في تقدير آخرين، هذا البعد لن يمِكِّن طاغية أو مستبدا من النوم ولو لليلة واحدة بلا منغصات أو أرق.
 
أنا هنا لا أتحدث عن الحشود وروعتها وضخامة عددها وإنما أتحدث عن حجم الجسارة الجديدة والجرأة غير المعهودة، والثقافة التى أخذت امتدادها داخل الوجدان المصري،  فأضحى يعشق الإقدام على المخاطر، ويزهو بالمنية، ويرى الموت في سبيل الحق الذى أمن به  سبقا وارتقاء لمن نالوه قبل غيرهم.
 
مدلول الثقافة الجديدة والذى أظهر الجسارة والتحدي والإصرار على تحقيق الأهداف ومواجهة الرصاص بصدور عارية، ورءوس عالية، هو عكس ما كان سائدا عن الشعب، وما كان يوصف به من قبل كشعب خنوع يقبل الدنية ويمضغ المظالم ويقتات على الاستبداد والقهر في الصباح والمساء، ويسلي نفسه بأغاني عبد الحليم وعبد الوهاب وأم كلثوم وأفلام الشحرورة والسندريلا ومباريات الكأس ودوري كرة القدم.
 
الدراسات التى تناولت هذا الشعب من ناحية تكوينه الوجداني وأبعاده الحضارية لم تكن كافية، ولم تكن دقيقة في التعرف على مكوناته، وربما اكتفت بما هو ظاهر في سلوكه دون أن تتعمق الباطن المستكن داخل وجدان هذا الشعب، وأنه في لحظة إرادة واحدة يثور على ضعفه فيصبح قويًا، ويتمرد على كل أنواع الخوف لديه فينفضها عن نفسه وينطلق في الميادين وكأنه إعصار هادر.
 
مع فارق التوقيت، لا أكاد أنام إلا لحظات قليلة من كثرة ما تشدني وتبهرني مواقف ذلك الشعب، فمع كل يوم أو ليلة يتدفق عطاؤه المبهر، ومع كل يوم أو ليلة يظهر لك بُعْد جديد لم تكن تعرفه عنه من قبل وأنت الذي تربيت في أرضه وبين حقوله، وعلى ضفاف نيله وترعته، وتحت أشجار نخيله وكافوره وصفصافه.
 
وبصرف النظر عن موقفك السياسي وقناعاتك، ومع مَنْ أنت أو ضد مَنْ، فليست تلك هي موضع العجب ولا هي التى تشد كل انتباهك وتشد كل أعصابك، وتحظى بكل طاقة التركيز لديك، وإنما قدرة هذا الشعب على امتصاص التحدي وحجم جسارته التى تصل في التقدير إلى حد يتخطى حتى كل حسابات التهور، وذلك هو السر الذي يبحث عنه ويهتم به كل باحث مشغول بأثر الدوافع في التغلب على أعقد المشكلات وأعتاها، بل وصنع المستحيل أحيانا.
 
ظهور هذا النوع من الأبعاد المخفية الكامنة في بعض الشعوب والأمم لا يظهر مع رتابة الحياة، ولا في أوقات الرخاء وإنما يظهر في التحديات الكبرى التى تواجه الشعوب، ويستشعر الوطن لحظتها أن هويته مهددة، والهوية هي الملاذ الأمن الذي يلجأ إليه الفرد والمجتمع عند الشدائد الكبرى، فإذا شعر شعب بتهديد لتلك الهوية هب ثائرا لا يلوي على شىء مهما كانت النتائج والأثار.
 
الشعب المصري استشعر تلك اللحظة أمام تحديات واجهت كرامته وحاولت أن تذل كبرياءه بعد حرب يونيه ١٩٦٧، فتحمل مرارة الأيام، وتحامل على جراحه حتى جاءت لحظة الحركة الحاسمة فقفز إلى أعلى، متجاوزا كل حدود التقدير، وتخطى كل دروب الخطر ومنحياته، وقرر أن يدخل إلى قلب اللهيب ولا يحترق فحطم خط بارليف وعبر أعتى الموانع المائية، وقرر الدخول إلى العدو في عمق تحصيناته ودشمه ومواقعه الحصينة.
 
الحديث عن النابلم والقنابل الفراغية والفسفور المخصب غابت صوره المرعبة من ذاكرة ووجدان أبناء ذلك الشعب، ولم يبق أمامه إلا الإصرار على العبور وتحدى كل أنواع الموت على الضفة الأخرى.
 
السبب المباشر في هذا التفاعل الذي تم في داخل الشعب المصري هو إحساسه بأن كرامته أهينت وبأن حريته مختطفة، وبأن مستقبله يتعرض للضياع.
 
في تقديري كباحث متواضع أن اللحظة تتكرر الآن في رابعة العدوية، وفي ميدان النهضة وفي كل ميادين مصر، وأن الشعب يستشعر أن ثورته تسرق، وأن حريته تسلب، وأن هويته في محنة وجود أو موت، ومن ثم تمصرنت القضية، أي أنها أصبحت قضية مصر كلها، قضية وطن يتعرض لمحنة في هويته، ولم تعد قضية إخوان مسلمين، ومن ثم فإن ذاكرة المصريين استعادت وعيها بعد أن نجحت في خطفها لبعض الوقت مصانع الكذب الإعلامي ودوائر هندسة الرأي العام في أجهز الأمن بمستوياتها المختلفة، واستطاعت أن تصور إجماعا جماهيريا رافضا للإخوان عن طريق خداع الكاميرات واستعمال حيل هوليود، غير أن لحظات الزهايمر في الوعي الجمعي لم تطل، وبدأت الذاكرة السياسية في الشعب الأصيل تستعيد ذاتها وتتعلم أنه لا يجوز أن تلدغ من جحر العسكر مرتين فراحت مع الوجدان المصري يستدعيان رصيدهما من عمق التاريخ، ومن أعماق النفس البشرية ويستحضران تجارب سابقة تراكمت خلال عشرات السنين، لم يجن الشعب منها غير المرار والعلقم، فقرر الاعتصام السلمي وألا يصطدم بجيشه الوطنى وإن أريقت دماء زكية، وأن يعود جيشه إلى مهمته الأساسية مكرما ومعززا ومحمولا فوق الرءوس، كما قرر أن يرفض العودة إلى الاستبداد، وأن يواجه هذا التحدي ولو بصدور عارية.
 
أمام  لصوص الوطن السابقين والذين أرادوا العودة من جديد لحكم مصر على أن يقود الجيش المعركة نيابة عنهم ظهرت الجسارة الجديدة، ليست فقط في التحدي بالتظاهر السلمي والاعتصامات البيضاء، وإنما بسلاح آخر هو قوة الكلمة وشرف المقال وقدسية الحرف المضيء الذي يشير صارخا إلى اللص ويحذر الغافلين من حيل صبيان نشال الوطن، وأعوان البلطجة الإعلامية والثقافية الذين يروجون الإفك عبر مصانع الكذب في فضائيات العم سام، وإن كان المتحدثون فيها بلسان عربي يفضحهم لحن القول، وتكشفهم لكنة تنبئك عن أسرارهم، وما يتلقونه من جدول الشائعات الخاصة بكل يوم جديد.
 
الجسارة الجديدة وجهاد الثقافة والقلم لها. في التوثيق الأصيل رجال ورواد كأمثال اللؤلؤ المكنون، لا يتحولون ولا يتغيرون، ولا تباع ضمائرهم ولا ذممهم بملء الأرض ذهبا ولا يرهبهم مثلها حرابا وعذابا.
 
تلك الطليعة الثقافية الجادة والشريفة يقودها جنود من كتائب الحق الوطنية التى لم تتحول الثقافة في مبادئهم إلى سوق وتاجر وسمسار، وهم يمثلون نماذج لمخزون الأمة ورصيدها الفكري الشريف والشامخ الذي لا تدينه رغبة ولا تقصيه رهبة، وهؤلاء هم رموز لإضافات وإضاءات حضارية قادمة يحملها رحم الأمة، وظهر بعضها في الأحداث الأخيرة، وبصوت مسموع كشف أباطيل الزور والبهتان، وستولد البقية عما قريب لتكون سياجا للوطن من اللصوص، وحصنا للوعي من التزييف، وحاميا للحرية من كل أشكال الاغتيالات الانقلابية.
 
 
 
أ.د. إبراهيم أبو محمد
 
مفتي القارة الأسترالية

© Copyright 2012 QK Radio. Disclaimer | Sitemap